ابن باجة

47

رسائل فلسفية لأبي بكر بن باجة

عند ممثلي التيار المشائي من بعده ، هي التي حركت ابن باجة إلى كتابة رسائله الأخيرة ابتداء من « تدبير المتوحد » ، وهي في مجملها تضع المقدمات والأصول لما يروم البرهنة عليه كما لو كان يهيئ نفسه ويهيئ القارئ معه لما سيفصح عنه في رسالة الاتصال ، وفي القول في القوة الناطقة ، وهما خلاصة مشروعه الفلسفي في صورته الأخيرة ، كما ذهب إلى ذلك بحق أبو بكر بن طفيل وأبو الوليد بن رشد . وهذا يعني ان هناك جسرا ننتقل بواسطته مع ابن باجة من الحلقة الأخيرة في المرحلة الطبيعية إلى ما سميناه المرحلة الباجوية على أن لهذا الانتقال بالإضافة إلى ما سبق وجها آخر عبّر عنه ابن باجة نفسه في « رسالة الوداع » بشكل صريح حينما كان يتحدث عن أصناف اللذة العلمية ، وعن الصنف الذي يكتفي بالنظر في اشرف العلوم ، وذلك حيث يقول : « وفي هذا الصنف كنت انا وكنت أنت وسائر أصحابنا على اختلاف أنواعهم إذا تذكرتهم علمتهم من غير أن يحركنا شيء غير هذا الالتذاذ فقط وانما تحركنا إلى العلم شدة التشوق اليه » « 58 » ولا شك ان جميع اعماله السابقة على « تدبير المتوحد » يمكن ان تندرج في هذا الصنف . وهذا يعني ان هناك نقلة نوعية بين المرحلتين أو بين المرحلة الأخيرة والمراحل السابقة بشكل عام . غير أنها لا تتعارض وما ذهبنا اليه من قبل ، ولكنها تضيف بعدا جديدا وهاما ينبغي وضعه في الاعتبار عند الحديث عن مراحل الفكر الباجوي ، وعن المرحلة الأخيرة منه بوجه خاص . وهكذا يتضح لنا ان الحلقة الأخيرة في تطور فكر ابن باجة وهي التي حاكمه من خلالها القدماء والمحدثون لا تهيئه أصلا إلى كتابة ما وضعناه في هذا القسم الثاني من رسائل ، اللهم الا إذا افترضنا ان هناك تحولا خطيرا في سيرة فيلسوفنا العلمية ، وهو افتراض ليس بأيدينا ما يشهد له ، فضلا عن انه افتراض بعيد كما أشرنا إلى ذلك من قبل . اما السبب الثاني في بيان تهافت هذا الافتراض فإنه يقوم أساسا على

--> ( 58 ) انظر المرجع السابق ص : 120 . وكذلك نشرة اسين بلاسيوس . ص : 21 . مجلة الأندلس 1943